الشيخ علي المشكيني

289

الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)

في حلّيّة فعل صادر عن الغير وحرمته ، فهنا أصل آخر يسمّونه بأصالة الصحّة التكليفية ، وإن شئت فسمّه بأصالة الحلّية في فعل الغير ؛ وبينه وبين أصالة الصحّة تباين ذاتاً ، وعموم من وجه تحقّقاً . فإذا شككنا في أنّ كلام المتكلّم أو أكله أو شربه وقع بنحو الحرام أو الجائز ، جرى حينئذٍ أصالة الإباحة دون أصالة الصحّة . وإذا علمنا بوقوع المعاملة منه وقت النداء إلى صلاة الجمعة ، وشككنا في صحّتها من جهة اختلال شرائطها ، جرى أصالة الصحّة دون أصالة الإباحة ؛ للعلم بحرمتها التكليفية . وإذا شككنا في كون البيع الصادر منه ربويّاً أو غير ربويّ ، جرى الأصلان . ثمّ إنّ الدليل على قاعدة أصالة الحلّية أخبار كثيرة تدلّ على لزوم حمل فعل المسلم على الحَسَن دون القبيح ، ففي الكافي في تفسير قوله تعالى : « وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً » « 1 » قال عليه السلام : « لا تَقولُوا إلَّا خَيراً حتَّى تَعلَموا ما هو » . « 2 » وفيه أيضاً : عن علي عليه السلام قال : « ضَعْ أمْرَ أخيك على أحسَنِه حتَّى يَأتيك ما يغلبُك عنه ، ولا تَظُنَّنَّ بكلمةٍ خَرَجَتْ مِن أخيك سوءاً ، وأنتَ تَجِدُ لَها في الخيرِ سبيلًا » ، « 3 » وما ورد مستفيضاً أنّ : « مَنِ اتَّهَمَ أخاه انماثَ الإيمان في قلبه » ، « 4 » أو « فلا حُرمَةَ بينَهما » « 5 » ، أو « إنّه مَلعونٌ » « 6 » وغيرها من الروايات .

--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 83 . ( 2 ) . والحديث : « عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : « وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً » قَالَ : قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ، وَلَاتَقُولُوا إِلَّا خَيْراً ، حَتَّى تَعْلَمُوا مَا هُوَ » . الكافي ، ج 2 ، ص 164 ، ح 9 ؛ بحار الأنوار ، ج 71 ، ص 310 . ( 3 ) . والحديث : « ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ مَا يَغْلِبُكَ مِنْهُ ، وَلَاتَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمِلًا » . الكافي ، ج 2 ، ص 362 ، ح 3 ، عن الإمام الصادق ، عن الإمام علي عليهما السلام ؛ بحار الأنوار ، ج 75 ، ص 196 ، ح 11 . ( 4 ) . والحديث : « عن أَبِي الْمَأْمُونِ الْحَارِثِيِّ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام : مَا حَقُّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ ؟ قَالَ : إِنَّ مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْمَوَدَّةَ لَهُ فِي صَدْرِهِ ، وَالْمُوَاسَاةَ لَهُ فِي مَالِهِ ، وَالْخَلَفَ لَهُ فِي أَهْلِهِ ، وَالنُّصْرَةَ لَهُ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ ، وَإِنْ كَانَ نَافِلَةٌ فِي الْمُسْلِمِينَ - وَكَانَ غَائِباً - أَخَذَ لَهُ بِنَصِيبِهِ ، وَإِذَا مَاتَ الزِّيَارَةَ إِلَى قَبْرِهِ ، وَأَنْ لَايَظْلِمَهُ ، وَأَنْ لَايَغُشَّهُ ، وَأَنْ لَايَخُونَهُ ، وَأَنْ لَايَخْذُلَهُ ، وَأَنْ لَايُكَذِّبَهُ ، وَأَنْ لَايَقُولَ لَهُ أُفٍّ ، وَإِذَا قَالَ لَهُ أُفٍّ فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا وَلَايَةٌ ، وَإِذَا قَالَ لَهُ : أَنْتَ عَدُوِّي ! فَقَدْ كَفَرَ أَحَدُهُمَا ، وَإِذَا اتَّهَمَهُ انْمَاثَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ » . الكافي ، ج 2 ، ص 171 ، ح 7 ؛ بحار الأنوار ، ج 74 ، ص 248 ، ح 45 . ( 5 ) . والحديث : « مَنِ اتَّهَمَ أَخَاهُ فِي دِينِهِ فَلَا حُرْمَةَ بَيْنَهُمَا ، وَمَنْ عَامَلَ أَخَاهُ بِمِثْلِ مَا يُعَامِلَ بِهِ النَّاسَ فَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا يَنْتَحِلُ » . الكافي ، ج 2 ، ص 361 ، ح 2 ، عن الإمام الصادق عليه السلام ؛ بحار الأنوار ، ج 75 ، ص 198 ، ح 20 . ( 6 ) . والحديث : « قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ الْأَنْصَارِيُّ : دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عليه السلام وَعِنْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجَعْفَرِيُّ ، فَتَبَسَّمْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ عليه السلام : أَ تُحِبُّهُ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ ، وَمَا أَحْبَبْتُهُ إِلَّا لَكُمْ ، فَقَالَ عليه السلام : هُوَ أَخُوكَ ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُ الْمُؤْمِنِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ؛ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنِ اتَّهَمَ أَخَاهُ ، مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ غَشَّ أَخَاهُ ، مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ لَمْ يَنْصَحْ أَخَاهُ ، مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنِ اسْتَأْثَرَ عَلَى أَخِيهِ ، مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنِ احْتَجَبَ عَنْ أَخِيهِ ، مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنِ اغْتَابَ أخيه [ أَخَاهُ ] » . عدّة الداعي ، ص 174 ؛ بحار الأنوار ، ج 74 ، ص 237 ، ح 38 .